السبت، 27 أبريل 2019

جسد

أرخيت ذراعيّ تمامًا بعد يومٍ من العمل المضنِ، أخذت أستشعر الدم يتدفق فيهما مكبرًا صوت نبضات قلبي...
غلبني النعاس، تقارب جفناي، ثم قطع انغلاقهما صوت همهمة... استفقت لبرهة...
"ءأنتِ بخير؟ لقد استُنفذتِ اليوم حقًا!"
"لا تقلق، أحتاج لبعض الراحة فقط..."
قلت "إنه الإرهاق"... اضطربت ذراعي اليمنى.
رغم غرابة الموقف لم استفق واستسلمت للنوم، فتسرب الهمس إلى أحلامي.
"أتذكرين شكلك؟"
"لا.. الفتاة لا تتحمل النظر إلى صورتها في المرآة، وحين تبدل ملابسها تبتعد عنها قدر المستطاع. ثم حل الشتاء، ولا أرَ نفسي إلا مغطاه بالملابس. ماذا عنك؟"
"لقد تدهور حالي، أهملتني الفتاة منذ حجبتني."
"لازلت طويلًا وجميلًا كما أنت..."
"أتمنى ذلك."
صمتت ذراعي اليمنى لبرهة ثم قالت بتردد :"علمت أنك تجعدت قليلًا؟"
"أعلم، صارت الفتاة تكرهني.."
"غير معقول!"
رد الشعر بحسرة: "أعتقد أنها ستقوم بقصي عما قريب..."
" لا يمكن أن ترتكب هذه الحماقة!"
" أنا قلق، إنها مراهقة عصبية قليلة الصبر، تقضي ليلتها في البكاء ونهارها في إخفاء عينيها. زاد وزنها وتدهورت، عقلانيتها في إجازة!"
" ياللهول.."

ساد الهدوء من جديد، وحل محله أزيز مكروه لأفكارهما...
ءأعيش تحت رحمة عواطفي حقًا؟
لم أتعمد إجهاد نفسي بالنحيب اليوم، بل انهمكت في العمل والمجهود حتى هدأت عواصف عقلي، وتصايحت عظامي وقسمات ظهري.

باغتني شعري: "أتساءل عم مدى حبها لنا وتقبلها لذاتها..."
"أتكره نفسها وهي بهذا اللطف؟ مزاياها واضحة كأشعة الشمس!"
"نعم، كأشعة الشمس في يوم غائم..."
"ماذا تقول؟!"
"ألا تلحظين حزنها؟"
"وما شأني أنا؟ أنا مجرد ذراع..."
"من الخطأ أن تنسحبي هكذا! هل أنتِ جرذ؟"
"إنني مجرد ذراع!"
"أعلم! ولكن ألم يمسّك حزنها مثلنا؟ وماذا عن سعادتها التي غمرتنا؟ كيف تنكرين تحطيم يأسها لك؟ وأملها لاذي أنعشك! وذلك اليوم المميز في سنتها الخامسة عشر، عندما أدركت شهوتها وصعدت إليكِ نشوتها؟! أنت متصلة بقلبها على الدوام!"
"لم أعد أحفل! فلتفعل بفؤادها ما تشاء! لن أسمح بأن يطولني انسداد رسغي أو جلطة طرفية جرّاء كآبتها!"

أحسست بشعري يتراجع وينبسط في استسلام على الوسادة، وبذراعي تتحول إلى هيكل متحجر.
لم أرغب في تغيير شكل شعري... سهوت عنه كثيرًا، لا أفهم سبب تلقيبه بتاج المرأة وزينتها، إنه متشابك متداخل منهك، يرمز فقط إلي عبثية الحياة وتعقيدها!
اغلقت عينيّ وتمنيت أن أختفي إلى الأبد... كبحت جماح أفكاري السامّة بصعوبة، ونمت.

الأحد، 7 أبريل 2019

غل؟


أرقد، أحاول ألا أنسى، أبقي عقلي مشغولاً وذهني مشحوذًا... أنا هنا منذ شهرين تقريبًا، لا أرى إلا الفئران والحشرات...
أضم ركبتي إلى جذعي حتى تتهاون معدتي الفارغة قليلًا.

أذكرأني شددت قوامي عن آخره يومها رغم آلام ظهري، و تظاهرت ابتسامتي بالثقة حتى تعينني على إخفاء أمارات السهر والوهن...
وقفت وسط الجمع أنادي بضرورة محاربة الجماعات المتطرفة المسلحة، وعنفت الحاكم بشدة لتهاونه مع مجرمين اختطفوا مائة أو أكثر من الفتيات...

يقع جُل اللوم عليه... سمح للمغالين في دينهم بالانتشار في ربوع الدولة، وببث أفكارهم ومعتقداتهم... ومنها ضرورة منع الفتيات من التعليم!
ثم غض الطرف عن خططهم الراسخة لتسليح أنفسهم، متعللاً بانشغاله بالخطر المتلصص والأذرع الخارجية والأجنحة البركانية...إلخ. أبله غبي!

عندما وصلنا الخبر كنت أزور إحدى قريباتي... بكينا. كيف استطاعوا سبي هذه البراءة؟

أتأمل الأحداث وأتفكر... هل من السهل على شخصٍ بالغ أن يؤمن بهذه الهشاشة؟ وأنى لهم أن يسهوا عن الحقيقة القائلة أن فرار الدين من المنابر إلى ساحات المعارك هو إفساد؟ كيف يسمح رجل عاقل لنفسه أن يسجد – مثلًا- للحم جرذ متعفن، فيقبل أظفاره ويذرف الدمع على فرائه القذر؟

بُح صوتي... عدت إلى المنزل... استلقيت على سريري، شعرت أني أغرق في أفكاري وحدي. ثم انتشلني زوجي بكوب من الشاي الأخضر. سألته: ما سر هذا الاهتمام؟
"الفضل يعود إليكِ في عدم إنجابنا أطفالًا..."
ادهشني رضاه عن فكرة ظلّت تؤرقه لعشر سنوات، بينما دافعت عنها أنا بشراسة؛ فقد أدركت آنفًا أن الحياة بشكل طبيعي وحميم في بلادنا شبه مستحيل، فأطفأت جذوة الرغبة والأمومة داخلي مبكرًا.

فلنتخيل للحظة أنني استسلمت لإلحاحه! لكانت لي الآن فتاة صغيرة جميلة محتجزة في الجحيم!

اغتممت لحال صديقاتي، وعاونتهم على البحث بقدر ما سمحن لي...
كُن يتأففن مني، اتهمنني بالتصنع وإدّعاء المثالية لأنني في الواقع لا يوجد لدي دافعٌ للحزن والانشغال مثلهن. استعصى عليّ الفهم، ووجب علي الانسحاب...

باغتت الشرطة منزلي بعدها، اتُهِمت مع آخرين بتحريض الشعب على الثورة، ومحاولة قلب نظام الحكم!
قامت الدنيا، وهاجت الجموع، طالب الناس بالإفراج عن الكثير من الأسماء، وأُطلق سراح العديد منهم...
حين جاء زوجي لزيارتي استشعرت فيه الحزن والضعف، ولم أكن أتوقع ذلك.
سألته، فأجابني بأن السيدات غاضبات، ويحمل رجالهن الكثير من الشهادات والأقاويل المنسوبة إليّ... سيلصقون هذه التهمة، وغيرها، بي.
أخبر جرذٌ ما المحققين أنني اتصلت بزعيم إحدى العصابات، وقمت بالإيقاع بالأطفال حقدًا على أمهاتهن الولّادات!
اتهمني البعض بانعدام الأخلاق، والعقم ، واستغلال الحدث لإغاظتهن...
زعم آخرون: "إنها تشجع وأد البنات... وأكل الحوامل للطين... وكل فعل يمكن له أن يُفشِل ولادة أو يُمرِض طفلًا..."

إن خرجت... سأجدني غارقة في بحر من العار والشؤم والهراء!
لا أستطيع التنفس، رؤيتي غير واضحة. أردت فقط أن أحمي نفسي، ألا أظلم أو أُظلَم، وفشلت...
وراء هذا الباب لا يوجد إلا الحقد والغل.

أتمنى الآن أن تبتعد الحشرات القذرة عني...
أن تخفت قرقرة أمعائي لدقيقة واحدة...
أن تتواءم فقرات ظهري مع تعرجات الأرضية الخشنة...
أرغب في النوم فقط حتى تأتيني النهاية.

الباب

مرت فترة…
أترك بابي مورابًا… كوسيلة لاستقطاب انهياري…
أنا ألمحه من فتحة الباب يتبختر قادمًا، مازال نقطة في فضائي… لكنه يكبر مقتربًا.
تكورت في مكاني بينما يتسرب إلي الحسيس ويتهادي… تحترق أفكاري ببطء… تلك الضوضاء المتصلة المنفصلة… العشوائية في انتظامها، تنزل على قلبي السكينة كموسيقى.
يمتعني منظر اللهب المتراقص.. فأدمنه.
سمحت للفراغ بأن يلتهم روحي. بدأ العدم بداخلي كنفق صغير، ثم أخذ يتوسع متمهلًا حتى تلاشيت تمامًا.
أوراق العمل متناثرة… غرفتي قذرة… شعري الأشعث يتساقط كفراء قط مريض… دمر الربيع قدرتي على التنفس، وعيناي تحملان دموعًا لا علاقة لها بالبكاء.
أنا كتلة من الفوضى على هيئة انسان…
كيف وصلت إلى هذه الدرجة من الإرهاق؟
عقلي لم ينضج بعد بشكل يسمح له بتحمل كل هذا الصراع…
يخالف المألوف… فيراكم رماده داخل جمجمتي، يحتفظ بحرارته وآثار حروب اقتحم ساحاتها عنوة… في غفلة مني. وتتحرك أشلاؤه كقهوة تتعمد أن تفور.
لا أحظى بلحظات من صفاء الذهن أبدًا…
عالمي هو قطرة ماء واحدة تحملها الريح… لا أستطيع الفرار، لا يمكنني التحرر أو الاستقرار على أرض ما…
إذًا… فلتقلبني الأقدار كيف تشاء.
سيظل الباب على حاله… يسامرني بشيء من النسيم المتلصص -فيما يبدو- إلى الأبد.

الأربعاء، 6 مارس 2019

خاطرة

هذا المكان يصب لعناته على من يحاول أن يعرف أو يسأل... يكفي أن تُلِم بالقليل عنه حتى تبتئس. التعاسة تلازمنا فقط لأننا هنا، وتولِّد بداخلنا يأسًا ضاغطًا يطرد الصبر، فلا ننتظر الرحمة... ولا نتطلع إلى السماء سائلين الله الفرج، كما اعتدنا أن نفعل بعد كل محنة.
لا يجوز إنكار أمارات الرأفة والتلطف من جانب الكون، لكنها لا تكفي...
 ذلك الصمت... بل والسماح بسفك الدماء قاسٍ ومنفر وفظ. سُبُل الطغاة والسفاحين الممهدة لتدميرنا وإماتتنا تكاد تفقدني صوابي.
نصيبي من الرحمة الإلهية بداخلي يستنكر... يصيح. أشاهد التبريرات تتداعى، تنهزم المبادئ وتتراجع المعتقدات في ندم – أو هكذا يخيل إليّ- فيمزقني الصراع ويتمكن مني... أهلك.
والأنفس الهالكة... الميتة... لا يسعها أن تؤمن، وتختار في النهاية ألا ترغب أو تأمل. سقطت الرحمة  في فخ... سباتٍ عميقٍ، فقام العالم - غافلًا- بتسليم زمام عبثيته للعنف كي يستغلها كما يشاء.

الاثنين، 4 فبراير 2019

طاولة

رمى الرجل العجوز حجري النرد بقوة، فاصطدما ببعضهما البعض، ثم أخذ أحدهما يتقلب داخل الصندوق الخشبي، و قفز الآخر خارجًا...

قام الرجل ليبحث عن المتمرد الضائع، بينما اختبأ الأخير حامدًا الله على حريته المُتأخِّرة...
أحس بالأسفلت الملتهب من تحته، وطفق يتشبع بالدفء قدر الإمكان. تأمل السيارات المختلفة وأحذية المارّة، كان متلهفًا متحمسًا... حتى ركله أحد السيّارة عن غير عمد، فتدحرج واصطدم بحائط مجاور... وهكذا عرف، لأول مرة، الألم.
لا يعلم كيف يئن، أو يصيح أو يستغيث. لمن يشكو؟ كل ما جمعه من خبرات هو نتيجة استماعه لثرثرة مستخدميه...
أيدعو الله؟ أم بشريين يشبهون صانعيه؟

أفاق من ألمه على يد تسحبه... إنه العجوز المتحذلق!
ودّ لو يستطيع المقاومة أو الفرار... تذكر سخونة الأرض، ربما جعلت جزءًا منه ينصهر! ألا يمكن أن تكون دقائقه المعدودة في الأسفل، قد أهدته بعض المرونة؟
شد أركانه الثمانية نحو المنتصف، بلا فائدة. ثم كرر المحاولة، وبالفعل، نقص حجمه! ثم حرر وجهه السفلي، فقام بوثبة ضئيلة... عجيب!
رغم نشوته لاحظ ضآلة إنجازه، لن يحقق مراده إلا إذا قام بقفزة كبيرة، أدرك استحالة إنجازها، فألمّ به الاستسلام والوهن.

قرر استغلال ما تبقى له من وقت خارج الصندوق ليحفظ تفاصيل العالم، أراد أن يمتص كل صورة، وكل منظر، وكل صوت...
لم يُحكِم الرجل قبضته عليه، فوَصَله هواء مايو الدافئ، حاملًا معه رائحة النهر البعيد، واختلطت به مشاهد صِبية يلعبون، ومبانٍ وشرفات... تتقدمها أصناف من ملابس صُّفَت بانتظام.
لاحظ تناغمًا غامضًا بين حركة أوراق الأشجار والسحب الصيفية العابرة.

هذه المدينة غالبًا ما تبدو بائسةً مُصفَّرة، جراء العواصف الترابية وشحوب المباني بسبب الشمس، لكن نردنا حسبها مبتهجة ملونة، كبستان تفتحت زهراته المتنوعة لتوّها.
شعر، للمرة الأولى أيضًا، بالسعادة والأمل.

حين ردّه الرجل إلى الطاولة، خُيّل إليه أنها بيئة جديدة كليًا. رحّبَ الخشب الناعم بأوجهه المتقابلة بحرارة زاددت من اغتباطه. ابتسم له زميله - نردٌ متواضعٌ آخر- مشيرًا إلى خدش صغير في إحدى حوافه.  انتبه زهرنا إلى مصدر وجعه... لم يحزن، بل قنع بخبرته الجديدة بما فيها من شعور بالأسى.
لحظاته المعدودة خارج المألوف أثقلته بتجارب ومشاعر متضاربة تغطيها لذة... جعلته مغرمًا بعبئه الجديد.
لم يعرف زهر النرد البرئ أن القدر لن يكتب له زيارة العالم مرة أخرى...

وفيما تلى ذلك اليوم الاستثنائي في حياة زهرنا المحبوب، وإلى أن ابتلعه أحد الأطفال المشاغبين، لم يمسكه شخص، إلا وتيقن تمامًا من أنه يريد أن يهرب.


الثلاثاء، 22 يناير 2019

مذكرات 1: السؤال

أمي: ماذا تفعلين؟
أنا: أكتب شيئًا ما...
أمي: قصة جديدة؟
أنا: ربما، إذا أعجبني ما أكتبه، سأكملها.
أمي: لا تضيعي الكثير من الوقت في ذلك.
- أنا أسدد لها نظرة توحي بعدم الفهم. -
أمي: لا تستهلكي نفسك في نشاط جانبي.
أنا: حسنًا.
أمي: (بعد دقيقة من الصمت، ونظرة فضولية إلى الأوراق المتناثرة على المكتب) لماذا تكتبين على أية حال؟
وهنا أبدأ في شرح مختصر لأسطورة الفكرة المُلحة التي تصيبني بالصداع في حال لم أخرجها.
********
أي شخص غريب ( اختصارًا "س"): لماذا تكتبين وتجتهدين في مجال ليس لك؟
وهنا ادخروقتي، ومجهود حنجرتي، التي تتحسس النقاشات الفارغة فتأمر صوتي بالتقهقر والحشرجة، وأقول:" تسلية!"
******

نظرت اليوم في مرآتي، فأبصرت إمرأة في منتصف العمر... غاضبة، تتمنى أن يتوقف الزمن، لا لكي تظل شابة، ولكن لأجل رغبتها الشديدة في إنتهاء العالم...
بعدها بدقائق، تذكرت حلمًا غريبًا، فتحولت السيدة المكتئبة إلى مراهقة مخبولة تضحك وحدها.
ولولا أن ذلك لا يتكرر كثيرًا،  لحسبت نفسي متعددة الأقطاب... يالرعب!
أعتقد أن كلًا منّا يحمل بداخله كيمياء مختلة، تطل من عينيه كل صباح صارخة: "ذهنك معطوب!" للأسف، الكثير من الناس لا يلحظونها...

أنا، لسوء الحظ، أنتبه إلى سقطاتي ونواقصي... ولهذا أكتب، ليفعل كل سجين بداخلي ما يشاء. لثقوب روحي حق التعبير عن نفسها، ولعقلي حرية اختيار الشخصية التي يجب أن تسيطر على يومي، لا بأس.
جُلّ ما أخشاه، هو أن تخذلني الكلمات، اللغة قاصرة عن مواكبة أدمغتنا الثائرة دائبة العمل...
في لحظة الإلهام، أنت تملك كل الاحتمالات، تستطيع تكوين عددًا لا يحصى من الجُمَل، رغم هذا... أنت لا تستطيع أن تساير القصص التي حبكها ذهنك المجتهد، متخيلًا الطرق اللانهائية التي أمكن لقدرك المرن أن يقودك إليها... لكنه جلس يراقبك تهوي بلذة، ولم يتحرك.

ولنفس الأسباب المذكورة شاركت في المسرح... ومازالت الكلمات لا تكفيني، مما جعلني أتوقف عن التعبير لفترة.

الاثنين، 26 نوفمبر 2018

الأفعى... والنبيذ


جلس بجوار سريره متأملًا ضوء الصباح المتسلل من النافذة القريبة، وامتزاجه بالإضاءة الداخلية الخافتة...
يظهر له الآن اختياره الموفق لهذه الدرجة بالذات من الأحمر للستائر وأغطية الفراش، فقد صنع لوحةً كلاسيكية فريدة: كنبيذ منسكب على جسد الفتاة الخمري.
سأل نفسه: "ماذا عليه أن يفعل ثانيًا؟ أيدفنها أم يلقي بها في مكان ناءٍ؟"

هذه تجربته الأولى مع مراهقة...لكنّه انتقاها هزيلة البنية، بلهاء المُحيّا، كي يسهُل التخلص منها. رغم ذلك، أخذ يتساءل: "هل يخفي هيكلها الضعيف هذا... شيئًا من القوة؟ هل ستقاومه؟"
لم تلحظ أصابعه ليلة البارحة أي كتلة عضلية أثناء مسحها لجسم الفتاة.
"الاحتياط  واجب.."
هل يحتفظ بها؟ لا، هذه فكرة سيئة. إن أفاقت، فستصرخ بلا انقطاع، أو ستحاول الهرب. ثم... ماذا لو ماتت؟ هو لا يفقه شيئًا عن التحنيط!
"ولِمَ العناء؟!"

ارتدى معطفه وعويناته الطبية، ثم حملها إلى فناء المنزل: بيت جده الواقع على أطراف القرية –لحسن حظه- لا يمر بجانبه أحد قبل الظهيرة  في غالب الأحيان.
داهمه الوحل الذي يغمر كل شيء. ثم تذكر ما سمعه في نشرة أمس عن السيول.
تذكر الطفلتين السابقتين...
خبأهما تحت هذه الأرض...
أخذ يلوم نفسه... فالأطفال أقل وطأة.
قال بغضب: "كان من الممكن أن ألقي بها في ترعة ما، فيجرفها التيار... فقط لو أنها أصغر حجمًا...!"

زارته بغتة مشاهد من الأمسية الفائتة، كم أمتعته هذه التجربة الجديدة!
"الأطفال مزعجون جدًا، وبكاءون ومراوغون. مثل هذه الأمور تحتاج إلى الهدوء..
ببعض من الأفيون، استطعت جعل فتاتي حبيبة وديعة، وبقليل من السائل الأحمر المختمر، مُحيت ذاكرتها، وشاركتني اللذة دون أن تشعر".
قد آمن هو، منذ زمن ليس ببعيد، بأنه أحق بالمتعة من أحمق سيمر فوق هذا الجمال، فيشوههه ويفنيه ببلاهة.

الثلاثون كيلو جرامًا المحمولين على كتفه خسروا الكثير من الحرارة.
"إنها متجمدة..."
مرت أول سيارة على الطريق القريب مسرعة، فأصدرت صوتًا يشبه السوّط المنطلق، فارتعشت أوصاله، وطقطقت أسنانه..

استقل سيارته إلى الجبل القريب، حيث سيلقي بها...
بينما ينبسط أمامه الطريق متواطئًا، شرع يفكر فيمَ ستلقاه بين تلك الصخور الموحشة.
"مخالب الخفافيش.. وأسنان المفترسات..."
تنهد بحزن: "خسارة.."
حين وصل إلى النقطة المنشودة، أخرج من السيارة سجادةً، وقام بفردها، ثو وضع الفتاة شبه المتصلبة على أحد طرفيّها، ولفها بعناية.
"هل تحول الخيوط المتشابكة بينها وبين وحوش الليل؟"

كلما حاول الابتعاد، تباطأت قدماه وتشبثت بالأرض، لا يعرف لذلك سببًا... صوت داخلي يأمره بالعودة فورًا. لم يسبق له أن توانَ أبدًا عن التخلص من شريكة، ماذا دهاه؟!

"هذه هي كليوبترا في سجادتها!!  فلِمَ تكون الثعالب والضباع هي القيصر؟"
قَفَل عائدًا إلى الجثة، سيعيدها إلى المنزل ويواريها في التراب قرب سابقاتها ... بجانبه .

رأى الفتاة، فأحس بحنين نقي لم يختبره  قبلًا، كأنه على موعد مع حب حقيقي...
هرع إليها... تعثر... سقطت نظارته. وعندما هم بالقيام، لمح ما يتلوى مقتربًا... خُيّل إليّه أن فتاته ستقوم من مرقدها. غمرته  فرحة، ومدّ إليها يده...
سمع فحيحًا -على غير توقعه-، ثم انقض الهيكل الراقص على ذراعه...
شعر بألم متفاقم، كصدىً مزعج يستمر في الازدياد والارتفاع. اِستل سلاحه الزجاجي الذي انكسر أسفله... ووضعه فوق أنفه... وفي اللحظة التي اتضَّحَت فيها الرؤية، رأى في ساعِده ثقبين ينزفان. ولدهشته... ظهرا كما لو كانا ينظران إليه باستهزاء.


الاثنين، 12 نوفمبر 2018

رسالة من صديق



"عزيزتي...
فلتلتمسي له العذر...
ولا أنصحك بأن يكون هذا العذر هو انشغاله أو دراسته، بل أنه لا يفكر بكِ بقدر ما تتوقعين، وأنتِ بالفعل لا تستحقين.
إني لا أنفك أن أتساءل منذ قرأت رسالتك... لِمَ تتوقعين أنكِ بهذه الأهمية؟
أعلم أنكِ حاولتِ الكتابة لي دون أن ترثي ذاتك، ولكن دعينا نعبث ونتهكم قليلًا.
فكما تعلمين، أنا أعشق الكوميديا السوداء...

سوف أستخلص –لأجلك- الحدث الفارق في قصتك، وأوضح لكِ مدى بلاهتك بشكل لا جدال فيه!

جلستِ وحدكِ كالعادة في ذلك المقهى، وكان هو هناك... وحيد أيضًا، ولكن في ركن آخر. بعد برهة، جاء إلى طاولتك وتبادل معكِ حديثًا طويلًا... "محادثة غير مملة رغم ما استنفذته من وقت... حميمية وغير متكلفة" حسب وصفك...
كأنكما فنجانا قهوة كتب لهما البقاء إلى الأبد... معًا.. على رفٍ ما...

نسيتِ - يا حلوتي – أن الخزف ينكسر في النهاية!

أخذ يسرد لكِ تفاصيلًا عن حياته: سقطات وذكريات وحب قديم. فظننتِ أن علاقتكما توطدت، وأضحت صداقتكما حقيقية لا افتراضية.
أقدر ذلك وأتفهمه...
ما لا أستسيغه أبدًا هو شعورك بالتميز بعدها...
لِمَ افترض دماغك الخاوي أنكِ كنتِ المختارة تلك الليلة ليعبر لكِ عن عبثية حياته؟ وبافتراض أنكِ مختارته حقًا، لمَ لَمْ يكرر الفضفضة؟

هل سألتِ الجميع ووجدتِ أنكِ ناصحته الوحيدة؟ بالعكس! أنتِ آخر من عَلِم! ولَمْ يطلعكِ على أي خبر جديد!
إنكِ تعرفين ذلك حق المعرفة.

سأسرد لكِ الوقائع كما هي:
ملّ القراءة، أو أيًا ما كان يفعل. شعر برغبة لحظية ومُلحة في الكلام، فبدوتِ له للّحظة أفضل من يساعده لسد تلك الحاجة! رأى أذنيكِ تصغيان وعينيك تستجيبان لضحكاته وحزنه. كمسافر عابر مر بحانة.. فتسكره الخمر، ويروي قصصه للساقي المسكين.
هو لا يرى فيكِ أمانة أو خصلة فريدة ترفع من قدرك فوق الآخرين، فقط... كنتِ ساقيته في سهرة مرهقة.

عليكِ أن تستوعبي حقيقة الأمر، وإلا فبئس الحمقاوات أنتِ!
يكفي ما طاردتِ من أوهام، وما سكبتِ من دموع على عتبة كل زائر.
فلتتوخِ الحذر... والرحمة بعقلك الضعيف.


تحية
ت".

الثلاثاء، 11 سبتمبر 2018

ربما

(1)

قالت أمي ذات صباح:
*"يجب أن تقللي من توترك".
-"ازاي؟"
*"زي الناس"
-"إني أحاول، لكني لم أفلح بعد".
*" مفيش وقت للمحاولات! اتصرفي! الناس كلها كويسة ما عدا انتي اللي مجنونة".
-"مش قلتي زي الناس؟ يبقي في ناس زيي، يمكن لو اتواصلت مع ناس زيي..."
قال أبي حينها: "غبية! ستفضحين نفسك!"
أيّدته أمي.
أمي تقول وأطيعها في كل شئ، حتي في حبها لأغاني جورج وسوف الذي بالكاد أتقبله الآن...
***
*"شعرك وحش، أكيد أنيميا"
-"يمكن توتر؟"
****
*"وشك أصفر، أكيد عشان بتعيطي لوحدك بالليل"
-"يمكن أنيميا؟"
***

 أمي قالت:"لا يفترض بك التحدث مع الناس!"
بعد هذه الجملة بالذات، لبثت لا أتحدث وسط الناس أبدًا.
قالت بعصبية "اتلحلحي!"
ولكني استغرقت وقتًا طويلًا حتي "أتلحلح"، كنت أجلس صامتة أغلب الوقت وأتجنب أن أنطق. إن قلت شيئًا قلته خائفة. وكان خوفي يجعلني أرد بما لا يتناسب مع الكلام الموجه إليّ. فيزداد انكماشي.
قال أبي"لمَ أنتِ صامتة طوال الوقت؟"
-"عادي"
أبي قال ممازحًا :"أنتي متوحدة".
ابتسمت، وبالطبع لم أصدقه...
قالت أمي"ستصير متوحدة" فصدقتها.


(2)

وصلت لمرحلة ما... حيث رفض هذا النظام أن يعمل بنفس الكفاءة...
أصبحت أكوِّن أفكارًا مستقلة عن الناس وعن نفسي، وأخبرها.
فتقول أشياءً تختلف عما توصلت إليه... أصدقها. لكن لم يكن كل ما تقوله واقعيًا، لم تكن كل أحكامها عن الناس وعني صحيحة.
وصلت لثوابت تختلف مع ثوابتها بشدة، فقررت: "أنتِ منبوذة وتحاولين لفت الأنظار".


أصبت بالاكتئاب وضربتني نوبات الهلع مراتٍ عدة، فأصبحت "المجنونة، المهيأة لبيع عقلها وروحها لقاء اهتمام الناس".

تشاجرنا مرات....
قلت:"كان من المفترض أن تتوقعي أننا سنصل إلي تلك النقطة اللعينة، حيث تتباعد أفكارنا بحيث لا تتلاقي أبدًا"
قالت "كلام فارغ! شعوذة! توقفي عن إختلاق الأمور!"
- "أنا تعبت!"
* "تعبتي؟! ها انت ذا تأكلين وتشربين كأنكِ لم تخطئي!"
أفكر :" ربما بالفعل لم أخطئ..."

تقول أني باردة ولا أشعر بأحد، لا أصدقها.
تقول أني مجنونة، أقول:"ربما"

أخبرها أن هناك من هو معجب بي، تُبخسه قدره وتقول "أنتِ معقدةٌ صغيرةٌ، لا يمكن أن يعجب بكِ أحد".

فأخفي عنها قصة حبي...
ثم تكتشف، وتملأ الكون صراخًا. تمر فترة، تجد الوضع ليس سيئًا كما تقول.. تتصنع التقبل.. أصدقها... تتهكم... تحطمني.. فاحطمه.
تقول :"في داهية".
أفكر: كان شخصًا سيئًا، لكني أشعر أني سأموت بدونه" فلم أستطع أن أصدقها، رغمًا عني هذه المرة.
***

تقول" أنتِ سمينة" أصدقها...

تقول" أنتِ غير نظيفة" أصدقها...

تقول "سيُلقي بكِ الله في جهنم" أدّعي عدم الاهتمام، لكن في النهاية أصدقها.

أسأل في عناد:"لمَ؟"
*"لأنك لا تطيعي أمك..."
أفكر: "أريد أن أطيعك، لكن لا أعرف كيف أرضيكِ".

تقول "كرهتك خلاص، والكل هيكرهك".
للأسف صدقتها...


(3)
أمضيت سنواتٍ في صحراءٍ جرداء، أحارب الريح حتي أحفر قبري، بينما يبحث الآخرون عن شجرة برتقال علي وشك أن تزهر. حتي يُدفنوا تحتها. يريدون أن يظلوا خالدين... في جذور الشجرة ولحائها وفروعها، وفي أزهار البرتقال. وفي جسد كل عصفور سيأكل من الشجرة، وفي عسل كل نحلة ستستخلص رحيق تلك الأزهار.
سأكون جثة عفنة تحت أطنان من التراب الساخن، بينما تطفو جثثهم تحت بقعة يغطيها الظل والنسيم، معطرة برائحة البرتقال.
***
أمضيت سنوات أكره نفسي، أنكر الصالح في ذاتي وفي تصرفاتي وأسبب لنفسي اكتئابًا حادًا، بينما يبحث الآخرون عن كل ميزة صغيرة في أنفسهم، فيصنعون منها شجرة برتقال رائعة الجمال، توشك أن تزهر.
يرجع تصرفي المُرهِق ذاك لإيماني خلال تلك الفترة بأن الجميع يكرهني، ما أفعله لا يحدث فارقًا، لا أحد يراني، لا أحد يذكرني. أنا كالهواء... بل كالفراغ.
أنا أمشي كالجثة العفنة، وما زاد الأمر سوءً انني أشعر.
أنا حزينة بشدة، لا شئ يعجبني، لا شئ يفرحني، ابتسامتي تأبى الخروج. أصبحت لا أريد إلا أن أموت. وكل شئ أفعله يوحي بذلك، حتي طريقة تنفسي تفضحني. الهواء يدخل جسدي قائلًا: "أتري هذه الفتاة؟ سوف تنتحر الأسبوع القادم!"
***

تقول "أنتِ أفضل من هذا" لا أصدقها...
تسأل: "لم أنتِ حزينة؟" فلا أجيب...
تشتري مضادات الاكتئاب وتتابع التحسن...
تلاحظ الآثار الجانبية للدواء: كأن أسمع أصواتًا أوأري كوابيسًا.
لا تعرف ماذا تصنع... تبكي علي سجادة الصلاة. 
أصدقها.

أخبرتها أنني اكتسبت بعض الأصدقاء، لم تصدق.
أخبرها اني أتحسن، لا تصدق.
أخبرها أني أكتب... تتهكم.

أريها إحدى قصصي فتقول "ليست جيدة كفاية كي تمشي في طريق الكتابة".
أقول: "ربما أتحسن مع التدريب".
تقول: "لا لا... أنتِ لست موهوبة، انشغلي بشئ آخر".
أقول: "ربما"
لكني لم أجد مأوً إلا الكتابة، فظللت أكتب وأكتب، فتحسنت. 
وعندها تساءلت عن سبب قولها أنني لست جيدة كفاية، وخلُصْتُ إلي فكرة أنها لا تعرف ماذا تصنع إلا ألا تصدقني.

تقول أنها تدعمني دائمًا، أفكر "هي تدعمني لكن ليس دائمًا"... لا أعرف ءأصدقها أم لا. قلت في نفسي: "دماغ الانسان الصحيح مبرمج كي يضع صاحبه في مكانة أفضل، لا بأس".

ما بين التصديق وعدم التصديق و"ربما"، وجدت أني أحفظ أغلب كلامها، ما تقصد منه وما لا تقصد. أعطيته حجمًا أكبر، اعتبرته أوامر من جهة عُليا موثوقة، رأيها لا جدال فيه.
أمي تقول، لكنها إنسان. أمي تخطئ أحيانًا.


(4)
أمي تقول وتقول، وتتباين ردة فعلي من التصديق وعدمه.
أمي تقول "كاذب" لمن يغضبها، كما يقول أبي "كافر" لمن يغضبه.
هي لا تصدق شيئا ولا تكذب شيئا، هي تشك...
فقط تشك...
تتصيد لنا الأخطاء والسقطات لتثبت أننا نكذب منذ بدء الخليقة.

أمي كانت تدافع عني وكنت أصدقها.
أما الآن، كلما فعلت ذلك وصدقتها، أجد أنني مخطئة... لا أعلم لم تتكبد العناء إذًا؟ 

أمي تقول: اعتزلي الأنشطة، فلا أفعل.
"تأخذ من وقتك وتتعبك".
"تأخذ من وقتي لكني أحبها".
"حب؟ كلام فارغ!"

تتنمر وتتهكم، لا أرد.
توكل لي مهامًا فافعلها، تغضب لأني لم أفعل أكثر.
***
شاهدت منذ فترة مسلسل "أصدقاء". أنعش ذاكرتي المشهد حيث تقول الفتاة لصديقها: "لا يفترض بك التحدث مع الناس!"
فتذكرت أمي حين قالت هذه الجملة منذ سنوات.
يستمر الشاب في كونه علي طبيعته، لا يتوقف عن التحدث مع الناس ولكن يحاول أن يتحسن... لا يكرهه أصدقاؤه.
أنا توقفت عن كوني علي طبيعتي وعن التحدث مع الناس لفترة. لم يتحسن الوضع. ثم استأنفت التحدث مع بعض التعديل. أجبرت نفسي علي الابتسام كثيرًا، ومزحت كثيرا. لم يتهكم الناس كما تفعل أمي، بل ضحكوا. واكتسبت بالفعل الكثير من الأصدقاء.
***

أتشاجر مع أحدهم، تقول أمي "يجب أن تكوني أقوي من ذلك. يجب أن تتعلمي فن وضع كل موقف في مكانته الصحيحة".
أخبرها أني نجحتُ في شئ ما، تقول"جيد! أخيرًا أصبحتِ أفضل كما كنتِ قبلًا!" 
لا أذكر أنني كنت أفضل بالشكل الذي تعتقده.

أنا وأمي نتشاجر، أبكي، تهينني. فأحاول وضع الموقف في مكانته الصحيحة. أقف علي قدي وأمارس عملي. تغتاظ أكثر. تتشاجر، تزيد الإهانة... تحطمني، فاحطم نفسي أكثر.
أنهار ثم أستفيق.
أخرج من قاع الحفرة اللعينة شبه ممزقة، أقف علي قدميّ المصابتين إثر رحلة الصعود.
أحاول أن أكمل يومي بينما يأكلني كل شئ. تغتاظ ولا ترى أني منهكة، لا شئ يزداد إلا غضبها.
بالتأكيد هي لا تريدني أن أظل ضعيفة، ولكن علي الأرجح هي اعتادت علي رؤيتي مكسورة وساكنة. هي خائفة من تغير الأوضاع.
ولكن رغم ذلك، لا أذكر أيضًا أنني كنت منكسرة هذا الانكسار كله، أو ساكنة إلي هذا الحد.
لم أكن أبدًا حشرة ميتة في أحد الأركان.

تقول أمي "أكرهك منذ زمن بعيد".
لا أصدقها.
تقول"مجنونة".
لا أصدقها.
تذهب لإخوتي وتقنعهم أني مجنونة، يجيئون جميعًا إلي، كحجاج علي وشك تأدية فريضة مقدسة... ينظرون إلي باستنكار ممزوج بالشفقة...
يقولون :"مجنونة".
لا أرد، أفكر"ربما..."
وأترك المنزل.