الثلاثاء، 26 أبريل 2022

زفرة - خاطرة 8


إن الهواية التي تتخذها كوظيفة تصير هويتك، فتملأ وقتك ولا تترك مجالًا في ذهنك لغيرها من الأفكار والمعضلات، ثم بمرور الوقت تصبح روتينية ويختلط عليك الأمر. وتقوم بها في النهاية لأجل الواجب والرزق.
تشعر بالملل... تأخذ إجازة.. يزداد بؤسك كلما تذكرت المسئولية. أتتركها؟ هذا جنون! ماذا عساك تكون إذا أقلعت عنها؟
ما هو العلاج في حالة إصابة رئتيك بمرض ما، أصبحت بسببه لا تستطع التنفس... فقدت الزفرات آليتها وعليك أن تسحب الكمية المطلوبة من الهواء متعمدًا كل ثلاث أو أربع ثوان؟ إذا غفلت عن مرة اختنق دماغك وفارقت الحياة!
أنت لم تفقد شغفك بعد، تحتاج إلى البحث عن حل ما... وفي كل الأحوال، عليك بالمثابرة وحث نفسك على الاستمرار...
من الخطر أن تتنصل من ذاتك. لن تفقد حياتك بالطبع، لكنها ستفقد ألوانها وحيويتها وتئول إلى الجمود، فتتلف روحك كشريط فيلم يحترق.. يصدر أصواتًا غريبة لا معنى أو غرض لهل. لن تقدم للعالم نفعًا أو ضرًا... سينساك وأنت حي، وحينها ستموت تمامًا، بلا أثرٍ أو رماد.

الجمعة، 25 يونيو 2021

Timmy Turner’s ultimate wish

 

Most probably, we all have watched “The Fairly OddParents” growing up. It was cool -and slightly rewarding- to see a child like us having everything he wished for. He had what some of us couldn’t have, and I am not referring to the fancy supper-fast delivered stuff, I am actually talking about his listening and present parents.

Yes, they were unreal, pretty weird, and sometimes dump, but they were there!

Every day…

Through thick and thin…

During big and small moments…

Despite the writers using the careless parents and the evil babysitter story lines as a justification for Timmy deserving his Kosmo and Wanda, personally, I thought back then: "everyone deserves someone to be there when they are lonely, even if these dull periods only last for minutes”.

But this is somehow an Ethical dilemma, not my point for now.

Since the beginning of the 20th century, humans have been going through a lot.

Wars, radioactive crisis, occupations, massacres, Governments corruption, virulent bacteria (pre-penicillin era), USA vs Russia, and economic issues.

It was a matter of welfare to think of your mental health or psychological needs, therefore, it was also welfare to prioritize your child’s prosperity. No body understood the value of proper communication with kids, to be there for their boy/ girl because they had to provide for them and to ensure a roof over their heads in a volatile world. It’s reasonable.

However, this produced a number of the world worst criminals, “Cherchez les…” abusive childhood and head trauma when it comes to serial killers!

In 2021, I always doubt the parent’s alibi for not supporting their children. I mean… of course it is still a volatile world in a different "speedy" way, but, in such fast-paced communities, wherever you are, a kid needs love and attention here and now, because time flies, and if they do not receive what they naturally deserve, it will lose every meaning to them.

They will grow up and mature faster than the previous generations did, hating the world and feeling a void in their hearts, knowing that it is eternal, nothing can cure it except psychotherapy, which is still neglected by Governments and financially unavailable for many people.

There is a very narrow window which we should catch, so that we protect our children from their worst future enemy: Mental illness.

Now that I am a grown-up, I wonder why Timmy Turner did not wish for a mental-illness-free life before he lost his fairy parents.

الأحد، 3 يناير 2021

مرايا

قاده العالم المشرف على التجربة إلى القاعة المظلمة، وتركه هناك مرتبكاً وحيداً لا يعلم ماذا يصنع، حتى دوى صوته من أحد الأركان: "هل أنت جاهز؟"

صاح "نعم!" رغم قلقه، وعدم تأكده من ماهية ما يجب أن يكون "جاهزاً" له.

أشعل المشرفون مصدر الإضاءة الوحيد... الخافت، فانعكس نوره على مرايا عديدة متقابلة تملأ المكان.

سيمكث الشخص موضع التجربة هنا أسبوعاً، محاطاً بصوره من كل إتجاه.

سيراقب المشرفون تفاعله مع هذه القاعة الضخمة المثيرة للجنون...


اليوم الأول:

أخذ يتجول مستكشفاً...

سمع ناقوساً كالإنذار، تبعه تنبيه بموعد الفطور. عاد أدراجه بشق الأنفس... اضطرب وتعرق، عبثت انعكاساته التي عجز عن عدّها بعقله، كلما التقت عيناه بعيّني خياله، نظر له الأخير محتاراً: هل أنت واثق من صحة هذا الإتجاه؟

تكرر الأمر وقت الغداء والعشاء.

ما أذهله حقًا هو الحمّام؛ فحوائطه وسقفه وبابه مرايا، وصعقته فكرة أنه سيشاهد نفسه - مضطراً- بينما يقضي حاجته، فأغمض عينيه ومضى فيما يفعل.


اليوم الثاني:

استثمره في دراسة المرايا، واكتشف اختلافات طفيفة فيما بينها.

"ليست متقنة الصنع." همس لنفسه.

أمعن النظر في جسده ووجهه، لاحظ ندوباً وترهلات لطالما غفل عنها، غمره الامتنان لخوضه هذه التجربة، إذ تمنح له وقتاً كافياً ليتأمل نفسه ويواجهها، ويتقبلها.


اليوم الثالث:

أُرسِلت له وجبات دسمة شهية متعته بالطاقة والسعادة، قام يتبختر بين المرايا ممازحاً ذاته المتجسدة أمامه. أخد يقلِّد عادل إمام وتوم كروز تزجيةً للوقت، ثم شرع يقلب في ذكرياته آملاً أن يجد حلاً لأزمات حياته المتشابهة.

ونام ملئ جفنيه..


اليوم الرابع:

أفاقته معدته المتألمة، وتساءل: أهذا صباح أم مساء؟

أغفي طويلاً؟

لم يعد يشعر بالوقت.

اشتدت الحرارة فاستنتج أن وقت الظهر أو ما يقاربه قد حلّ. 

وجبته التالية كانت كوباً من اللبن البارد وبعض البسكوت... وتذكر أنه أخبرهم عن حموضة معدته أثناء الفحص الطبي ضمن إجراءات ما قبل التجربة.

"أيقصدون العبث بجهازي الهضمي؟ أم ساعتي البيولوجية؟"

تساءل متفاخراً لاستخدامه لفظ "الساعة البيولوجية" الذي قرأه مؤخرًا في الجريدة.


اليوم الخامس:

تدهور مزاجه، فتيقن أن ساعته الداخلية تعطلت.

فقد قدراً كبيراً من طاقته، استسلم للملل.

استند على إحدى المرايا مواجهاً أخرى، اتقدت بداهله جذوة غرور صغيرة جراء تقبله الحديت لشكله وبطنه وذراعيه الرفيعتين. وهذا ليس تصالحاً مع الذات؛ لقد حُشر هنا وحده، لا يوجد من يقارنه بابن الجيران أو الممثل الفلاني... وصوره المتقابلة المتكررة تبعث إشارات متلاحقة - لا يعيها - لدماغه؛ فيمجدها ويعبدها.

تجرد من ملابسه... وأقتنع أن كل سنتيمتر من جسده جميل.


لم ينم تلك الليلة.


اليوم السادس:

عيناه مفتوحتان، محمرتان...

مَلّ المرايا، والإضاءة التي لا تتغير، وفكر: "ما هذا الهراء؟! لماذا أحشر نفسي هنا؟"

تريض قليلاً، ثم زاد من شدة التمارين حتى يغفو.

واستيقظ ليجد أطباق الفطور فوق رأسه...

"يالكم من لطفاء!" قال بامتعاض.


سلموه ورقة استبيان، طُلِب منه فيها رأيه وما أحس به من تغيير في شخصيته وملاحظاته عن القاعة والطعام والخدمة... فأدرك أن هذا يومه الأخير.

سيخرج غداً ليواجه العالم من جديد...


تذكر أهله الغاضبين على الدوام، وحبيبته التي تنتظر أن يتقدم لخطبتها، ووالدها الذي يخشاه...

سيعود ليكون قلقاً صامتاً، منتقداً ذاته التي استطاع بشكل غير مسبوق، التصالح معها هُنا!


الخروج:

خطت قدماه أرض الشارع... عصرت الوحشة قلبه. 

لقد نسي هيئة الناس والأطفال، ولدهشته... لم يفتقدهم.

اتجه إلى متجر ليبتاع بعض الطعام، كعادته قبل التجربة.

اقترب من البائع ليعطيه المال، وفي اللحظة التي لمح فيها انعكاسه في عيني الرجل، انتشى ورقصت جوارحه! بُهِت وبوغت، وأخذ يماطل ويطيل الحديث، وكلما التفت البائع إلى زبائنه حاول شغله عنهم! مدفوعاً بالشك والحيطة، صاح في الفتى أن يبتعد.. لقد أفلت المسكين بأعجوبة!


استسلم... لكنه أمضى لياليه وأيامه لا يرى في البشر إلا عينين، ويشتاق إلى صورته... التي كانت تبدو في كل نظرة، مختلفة ونابضة بالحياة.


الضحية

 ‏ودع "م" أصدقاءه الرابضين في قهوة المحلاوي متجهاً إلى منزله بخطوات متكاسلة وبقلب آسف؛ فهو لا يريد ترك عبثهم.

‏صاح أحدهم: "لا تهدر هذه الليلة الصيفية بديعة! إنها الثانية عشر صباحًا!" 

‏م: " أولئك الأوغاد يرفعون صحف الحضور في تمام الساعة الثامنة والنصف!"


‏أخذ يتمطى ويتأمل المارة في الطريق المزدحم، عابثاً مع السيدات منهم؛ فيسير ملاصقًا لهن، ويلقي لفظاً أو دعوة فجة لمرافقته إلى مكان ما... على سبيل التسلية بالطبع. وعندما تسبه إحداهن، ينظر إليها بتبجح، فهي غبية ثقيلة الظل، كيف لها ألا تقبل أن يصبح جسدها مادة للتندر والمزاح؟! هو يشفق على أمثالهن من الكئيبات قاتلات الدعابة!


‏إنها عادته؛ المشي ممل، ألا يستحق بعض الترفيه بعد يوم طويل؟

‏أحيانًا يتطاول "الترفيه"... فيمتد ليلمس هذه أو تلك، لتقف مصدومة... مبتورة اللسان... كفأر ميت..

وتغمره هو نشوة انتصار غير مبررة، لكنها مرتبطة بالعبث بأجساد الأخريات..

‏وصل "م" أخيرًا إلى شارعه الهادئ، المظلم نسبياً. 

‏أولاد يلهوّن... وبقالة متواضعة مازال صاحبها مستيقظاً…

*******

سُمِع صوت احتكاك معدني... فارتطام جسد "م" بالأرض. ثم شوهِد شخص ما يركض إلى الجهة الأخرى، حيث اختفى...


‏ حققت الشرطة في الواقعة على مدار شهرين.

‏أشاد أهله وأصدقاءه بسلوكه، لا أعداء... لا مشاجرات. "م" قصير القامة، رفيع كعود قصب...ذو ملامح مسالمة، محبوب من الجميع.

‏لا يوجد شهود إلا الصبية والبائع، واتفقوا جميعاً: رجل طويل القامة، يرتدي بنطالاً أسود ومعطفاً قصيراً وقبعة صوفية، ضرب "م" بمفتاح إنجليزي، - أو"العصا الثقيلة التي يستخدمها الميكانيكي!" كما قال أحدهم – على رأسه، وهرب.


‏أضاف أصغرهم: "لا أعرف، بعض الفتيات طويلات كشجرة..."

تجاهلوه... واستمر التحقيق...

‏********

‏مرت نصف ساعة منذ أن وقفت الفتاة في ذلك الموضع...

‏ظهر "م"، فتبعته بخفة... نادت بخفوت: "لو سمحت!"

‏ وقبل أن يلتفت بالكامل، هوت على رأسه بأداتها…


و‏هرعت عبر طرق ملتوية عائدة إلى منزلها، فتحت الباب، واندست إلى الداخل متسللة.


‏"أين كنتِ؟"

‏فزعت "ن" وأطلقت صرخة مكتومة. أشعلت الأم المصابيح.

‏رأت "ن" وجه أمها وهو يتبدل، من الشك والغضب إلى الفزع والرهبة... كادت تشعر بنيران أمها المحرقة وهي تندثر مخلفةً وراءها العدم...

‏ها هما الآن، يغرقان في الخوف معاً.


‏"ما بالك يا بنيتي؟ أنتِ ترتجفين!"

‏أحقًا ترتجف؟ إنها لا تشعر إلا بصخرة تشدها لأسفل... ستسقط... ستنهار..

‏غطتها ببطانية وأجلستها.

أخرجت "ن" المفتاح المدمى. ‏"كلور... كلور" قالت لاهثة.

أخذت الأم منها دليل الإدانة، وهي تتأمل أظافرها الزرقاء وشحوبها... وسروالها المبتل.

ثم ‏ألقت به أسفل الصنبور.


‏"ماذا فعلتِ؟ ردي!"

‏غابت "ن" عن الوعي لبرهة أنهتها أمها بغارة من الثلج والماء. وكف ذهنها عن الطنين واستقرت روحها، قصت ما حدث كمن يحكي حلماً.


‏لطمت الأم... تلعثمت وانتحبت، أرادت أن تصيح فتخرج تلك الغصة... 

‏وضعت كلتا يديها على فمها مكرهة. 

‏"لماذا؟ 

‏هل رآكِ؟

‏الكل يخضعن وينسوّن في النهاية! المُغتَصَبات يصمتن ويشعرن بالعار! 

‏لماذا؟ لماذا؟!"

‏هل آذت الأم نفسها بينما تنوح؟ أرأت "ن" خدها الأيمن ينزف؟ 

هلوسة؟!


‏"لماذا!" صاحت "ن" بغضب... "هذا ليس بسؤال! ءأنتِ بلهاء؟ منذ استوقفني في ذلك الشارع، وأمسك بــ.. بصد..." لم تكمل كلمتها، لم تستطع، ودت لو تغرق في المقعد، أن تذوب في نسيجه كأنها لم تكن...

واصلت بعد برهة "منذ ذلك الحين وأنا أتألم، مازلت أشعر بأصابعه... وأراه في كل زاوية مظلمة!"

اختلطت كلماتها بالنشيج ..."أود لو اقتطع هذا الجزء من جسدي. لم أقدر أن أغفر لنفسي استسلامها! أنا لم أعد تلك الجثة! كان بإمكانه أن يفعل بي ما هو أبشع... أنقذني الله! أنقذني لأنتقم! أنقذني لأحيا هانئة البال مطمئنة النفس. لقد وجب عليّ قتله!"

‏ووقفت فجأة وهي تلهث وتبكي... ثم حاولت اللجوء إلى غرفتها، لكنها سقطت قبل أن تصل إليها.

‏********

‏قامت الأم بوضع الخطط ومحاكاة الموقف والمحادثات والتحقيق مراراً. قد تأتيهم الشرطة غدًا، أو بعد غد، أو ربما بعد شهر!

‏إنها مؤرقة... منهكة القوى، تنتظر وتترصد...

‏ الأب لا يعرف، وأصيبت البنت بالحمى مدة أسبوع. 

‏كلما حاولت الأم أن تملى عليها كذبة مشتركة – على سبيل الاحتياط - ، تحملق فيها وتضحك! 

"ياللخيال الواسع يا أمي! ماذا حل بكِ؟ يالها من قصة!"


قصة!

اعتلَّ عقلها؟! نسيت؟!


ربما ‏سَبَقَتْها بخطوة...إذاً فهي ممثلة ٌبارعة!


‏تضرعت إلى الله باكية…

"لن تدعني ابنتي أتعذب بتلك الذكرى الساحقة وحدي! لا! مستحيل! 

أعِني يا رب...

‏الخطة إذًا أن نتناسى… حسن جداً… سامحنا يا الله.."

"سأتناسى."


الجمعة، 13 مارس 2020

ناصرة

"وُلدتِ ليلة الجمعة، وهو يوم مبارك... اختاره الله ليكون عيدَ كل أسبوع. واسميتك (ناصرة) حتى تنصري  المستضعفين، كما ارتفع عبد الناصر بشأن الفقراء، ولتُصبحي منصورة في حياتك يا بنيتي..."

لم أرَ يا أبتِ أية بركة في حياتي القصيرة، إلا إذا كنت تعتبر إرثي من أرضك غنيمة!
نعم، فقد تركتَ لي مساحاتٍ واسعة، ولم أستطع الإستفادة بها، فأحلتها – دون قصد- إلى صحراء جرداء.
أمضيت خمس سنوات لا أناجي إلا الأرض البور تحت قدماي... وقلة الحظ ونفاذ العافية.

أمازلت تحب عبد الناصر؟ هل التقيت به؟ هل أنتما في الجنة معًا؟
أم تطلُ عليه من نافذة مورقة... بينما يحترق هو مستغيثًا؟

هل تسنى لك أن تخبره عن قصتك مع إخوتك؟ كادوا يقاطعونك ويحرمونك من نصيبك في تركة الجد لأنك لم تغير رأيك فيه، ومضيت تدافع عنه، رغم ما حل بكم بعد الإصلاح الزراعي...

لولا خشيتهم من الفضيحة وألسنة الناس لتركوك بلا مال...
ربما قتلك أحد أولاد عمومتك، لكنهم خافوا أن يكون لك ولد فيأخذ بالثأر...
لم يتوقعوا أن تنجب بنتًا فاشلة، أحط شأنًا من أنكر خلق الله...

أتمنى أن ألقاه يومًا فأسأله: لِمَ خدعت الفقراء؟
حسبوه القائد والحامي...
لا أدري كيف غرقت فكرة الموت في النسيان! تغاضوا عن كونه بشرًا سيفارقهم..
وبالفعل، أتي غيره، فمزق عقود الملكية، وأعاد المنبوذين إلى الهامش، قبل أن يتمكنوا من شراء بيت ذا سقف.
اعتمد عليه الناس... رسموه، وحرَّموا على ذوييهم إزالة صوره.

أعود إلى البيت، أفتح الباب، وأول ما أراه هو لوحتين بالكروشيه أعدّتهما أمي. واحدة لعبد الناصر والأخرى لك، كقديسيّن.
2019 تقترب، ولم نتخلص بعد من ممثلي البلاهة، القائلين "لو كان عبد الناصر هنا لعَمَل... لو كان مكانك لسوّى..."
لقد كان هنا بالفعل، ولم يستطع إنجاز الكثير. تمتع فقط بحضور طاغٍ ومستمر.

مر على وفاتك عشر سنوات، وأنا في الأربعين من عمري، وحيدة، بلا زوج أو أولاد.
أين ابن عمي الذي قلت ستزوجني له ليرعاني ويعمر الحقول؟ ومعارفك ونفوذك؟ وكل ما كنت اتكِّل عليه في حياتي الماضية؟

تركت المدرسة لأتزوج ولم ألقَ إلا الترمل. قلت ستعوضني، وحين لم تستطع، قلت "عوضك على الله.."

تركني الله أيضًا يا أبي.

بالأمس، اكتشفت أن الديون لا تأكلني وحدها...
بل انضمت إليها كُتلة حقيرة غير مؤلمة، وجدتها في صدري بينما أستحم. لم أذهب إلى المستشفى لأجلها، بل لأني وجدت الجلد المحيط بها منسحقًا ومكرمشًا... وملعونًا.

لدي لك الآن خبر أخير...
سأذهب غدًا لتغيير اسمي...
سأجعله (وردة) أو (باتعة) أو أي شيء لا معنى له.. لقد تعلمت الخدعة، لا نصيب لانسان من اسمه، بل العكس تمامًا هو ما يحدث:
فلن تجد إلا (كريم) البخيل، و(صابر) الحانق، و(راضي) الجاحد...
فكرت في (حزينة)... أليس مبالغًا فيه؟

عليّ الآن، أن "أتمسك بالأمل" كما قال الطبيب، وأن أقدم إلتماسات وأطلب مساعدات، كما لم أفعل من قبل...
ليتك علمتني أن أعمل لأجل نفسي... ها أنا أموت كما عشت... عالة.

ما أتمناه حقًا، بعد أن أواجه الأشهر القادمة بشجاعة وأنجو، أن تزورني في حلمي... وتقول: "نصرتِ نفسك يا بُنيتي".

عود


الستائر تتهادى بخفة مع الريح... القهوة تبرد... السيارات تصدر ضجيجًا متقطعًا... ها هو العالم قد بدأ في النهوض، بينما أودع أنا ساعتي الأولى جالسًا على سريري ألوم وجداني وكوابيسي.
ما معنى زيارة والدي –رحمه الله – تلك؟ اختطف آلتي مني وعزف عليها، ثم طلب مني بسط كفيّ ليسحقهما بها... حتى نطحم سويًا، أنا وعودي؟!

ربما فلحت في إقناع نفسي أنها أوهام ما بعد الرسوب في الامتحان. كنت البارحة متعبًا... أجرُ قدميّ إلى المنزل وأواسي عينيّ الدامعتين. لم يقصد ذلك الممتحن تدميري بقوله أنني سأظل عازف عودٍ هاوٍ، لن ترتقِ قدراته لإصدار جمال جديد! إنه "بروفيسور" متغطرس عزل نفسه عنّا –نحن الطلبة- بواسطة طبقة كثيفة من الغرور!

اقتحمت كلمة "فاشل" عقلي كجيش من النحل، ومصدرها هو عدم احترامي لذاتي... وليست رسالة خفية من والدي الميت، وإن لم يكف عن تكرارها في منامي الكريه...

استيقظت... احتضنت عودي وضبطت أوتاره، شعرت بنفور غريب. اعتدت اقتراح بعض النغمات عليه كل صباح، فإما أن يترجمها بسلاسة فأسجلها، أو يرفضها فأشكره لأمانته.
العود مشمئز مني اليوم؛ رائحته غريبة... أوتاره تأبي التراخي... ويصدر أصواتًا منكرة. اعتدت أن يلفظني البشر... لا هو.
*******
يومان
دخان السجائر يحول بيني وبينه، ولا أستطيع التفكير أو البكاء... أين عساي أختبئ الآن من العالم؟ أنت قشتي... فلِمَ تتخلَ عني؟ أنا منهك... خلاياي تئن، ولا أحد يكترث لموسيقي منطوٍ فقد عقله! أخدعك ذهني بذلك الحلم؟ إنه اللاوعي أيها الأحمق! أنا أحملك دائمًا وأخبرك أنك صديقي الوحيد وأنا واعٍ!
*******
أسبوع
مازالت أطرافي تؤلمني... العتاب متواصل... ما جلبته عليّ من ضعف ونحيب وتقصير في العمل غير محتمل، لا أريد أن أفقد وظيفتي أيها العود، أرجوك!

أحتدت نبرتي وغمرني الغضب... أصبح الكون رماديًا ثم أسوّد، وعندما أفقت وجدت عودي مكسورًا... آثار الأوتار الممزقة يخنق أصابعي. يا إلهي! أي جريمة اقترفت؟ كيف...؟!
لن أتوقف عن البكاء قريبًا؛ فقدت عزائي الوحيد وصرت غارقًا بالكامل.

خواطر 6 - النفس

ذات مرة، سمعتُ أحدهم يقول "أصعب ما في الحياة هو الشعور بالشفقة على الذات" ولكن ماذا عن الصراع بين الشفقة ومشاعر أخرى؟
الضمير والهوى يبدآن العراك، فيقاطعهما المنطق متمايلًا في غرور، موضحًا أنهما أحمقان... فيتطاول رثاء الذات معلنًا أن كل ما يشمله هذا العقل السقيم معتل بالضرورة، فلا فائدة لأي منهم.
فيشعرون بالشك...

يتساءلون ...
يدمدمون...
يصدم المنطق رأسه بحوائط الفكر... وتحيط بالهوى دوائر من الإنكار.

تستلذ النفس عذاباتها مدركةً أنها تستحقها...

وتلحظ رثاء الذات، فيستفزها منظره بينما هو منزوٍ يبكي...
وبخفة وخبث، تطعنه في غفلة من الجميع.
تدمع عيناه... ينزف... تتذوق النفس دم هذا المخرب احتفالًا بذهابه إلى الجحيم...
ثم يؤنبها البقية... ويتخاصم الجميع.

تتفكر فيم صنعت. هذا الإنسان لم يعد يعلم أنه يخطئ، أصبح خطاءً مهانًا لا جدوى منه... يمكن لها أن تمتطيه وتجره وتصنع به ما تشاء، ينحدر وهي لا تبالي، حتى توصله إلى القاع.
استفاقت...
إذاً، فالتلذذ هو الهدف...

 كيف وصلنا إلى هنا؟
ملأها السوء وزارها الماضي فأبدى لها أخطاءً لا تغتفر.
تشققت كجدار مهترئ، فانطلق من خباياها كائن لا تعرفه. أمعنتْ النظر... فوجدته رثاءً آخر... رثاءً يخصها وحدها.


فبالله عليك... أيهما أبشع: الشفقة على الذات؟ أم صراع الإنسان مع تكوينه؟؟


الجمعة، 27 ديسمبر 2019

المسمار

كان الفتى يلهو قرب مدخل الشقة مع أبناء الجيران حين سمعت والدته أحدهم يصرخ، فهرعت إليهم تسأل بقلق: "ماذا حدث؟"
أشار صبيها ذو الوجه المحتقن والمبتل بالدموع إلى قدمه...
وجدت مسمارًا قذرًا وقد إنغرس في أسفلها حتى آخره، وكمية من الدماء... أرعبتها...
عادت للداخل وارتدت حجابها بإهمال استفز شعراتها الرمادية، فخرجت منه بوقاحة... واستلت مفتاحها وهاتفها، وركضت إلى الشارع.
لفتت رثاثة حالها  الغير معتادة انتباه حارس العقار، فلحق بها علّه يساعدها... وينتفع بشيء من البقشيش لاحقًا.
أمرته بصوت مرتجف: "جِد لي سيارة أجرة، بسرعة!"
هاتفت زوجها، فسبقها إلى المشفى.
استلزم الأمر تدخلًا جراحياً وحقنة "تيتانوس"... ومشاحنة مدوية بين الزوجين.
*****

انتصب ساق المسمار في الهواء شامخًا متباهيًا بسنه الحاد، متحديًا عوامل الرطوبة، بينما انغرس الرأس في حفنة من التراب المهمل على الدرج.
وفجأة، حُشر بطريقة ما في نسيج رطب، وأظلمت الدنيا، وما هي إلا لحظات حتى بدأت جسيمات متناهية الصغر تتقافز حوله وتعبث بذرات معدنه العتيق.
طفق النظام المتكامل الغريب في ذلك المكان يثور بعنف، مطالباً إياه بالتقهقر مهاجمًا صدأه والميكروبات القاتلة العالقة به.
كاد أن يستغيث، ثم فطن إلى أنه هو... مصدر الهلع.
وشعر بالفخر!
" ما أعظم شأني ها هنا!"
ذاب أحمره فيما حوله، أطلق العنان لسمومه لتتوغل في اللحم... كجنود الإغريق في طروادة.

لم يطل نعيم المسمار، فبعد سويعات، أحس بآلة ما تسحبه للخارج...
رغم تماسكه وعناده، فقد توازنه...
 طُرد من مملكته المؤقتة، ولحقت به دفقة من سائل دافئ لامع.
صدمته الأضواء من جديد، وبددت البرودة  ما شيده من عزة نفس وكبرياء. وأُلقي في وعاء ما، ثم حُمل إلى مثواه الأخير... متخاذلاً.
وأثناء رحلته، سمع صياحًا ونحيبًا
انهمك الزوج في إتهام الأم بالإهمال، فاعتذرت مرتعدة وأخذت تعلل انشغالها... لكنه استمر في ذبحها وغمرها بوابل من أبشع الألفاظ. ولم يتمكن أحد من تهدئته لإخباره أن حالة ولده مستقرة...
تدخل المصلحون، تقاطعت عبارات كــ "حصل خير"... و"احمدوا الله"... و"عفا الله عما سلف" مع سباب الرجل...
ود المسمار لو يتقافز فرحًا وسط القطن الملوث والدماء في الصحن، فكر:"أنا صاحب الفضل في هذا المشهد الملحمي رغم ضآلة حجمي!"...
ودون ذرة من تأنيب الضمير لما سببه من ألم ومتاعب – فذلك امتياز يخص الانسان وحده – تخللته النشوة... وأهمل الكون كل مهامه في سبيل المسمار الرفيع للحظات... قبل أن يُزَج به في محرقة المستشفى.



الأربعاء، 18 ديسمبر 2019

خواطر 5 - لويس بريما


هناك أغنية قديمة للويس بريما – وآخرون في الواقع – تدعى "ليس لدي أحد", يؤكد فيها لويس أن لا أحد يهتم لأمره... وأنه حزين ووحيد... فالحياة تستمر بدونه...
يردد "ليس لدي أحد... أنا مجرد مغني..." بنبرة سكير يائس، فتضطرب أوتار نفسي...
أنا محاطة بالأصدقاء والأخيار، أصافح الناس وأمازحهم... أخوض المناقشات... استمع لمن قادته الأقدارإليّ، وأنتحب أنا أيضًا في حضرة أحدهم.
ثم  أعود إلى نقطة ما... أدرك فيها أنني بحاجة إلى شخص واحد - لا أعرف هويته- ، ليربت على كتفي، فيختفي هذا الغمام.
ورغم ملابسي الصوفية وأطرافي الدافئة، أشعر بالعري والبرد... والضآلة.
ما مصدر هذه العاصفة التي تدك عقلي كل خريف؟

حين بدأت حياتي الجامعية، حسبت أنني سأتحكم بحياتي وأحدد ما يمكن للظروف المحيطة أن تلحق بي من ضرر، لكني فشلت!
كيف لهبّة ريح أن تُحدث فيّ كل هذا الأثر؟
ليالٍ بلا نوم، أسابيع بلا صوت واحد...
ما هي الوسيلة التي تأقلم بها قدماء المبدعين مع وحدتهم المذكورة في أحاديثهم ومذكراتهم وسِيَرِهم؟ أهي قدرة خارقة؟ أيستطيع الانسان أن يستخرج العسل من نار تكوي قلبه؟!


الأربعاء، 13 نوفمبر 2019

خواطر4 منزوعة الدسم

-1-

ماذا لو استطعت إقناع نفسك أنك لست بتلك الكفاءة المزعومة؟ هل تقدر على إنجاز المهام أو تحصيل كل العلوم المطلوبة؟!
إن غرقت في بحر من الشك، وجلدك ضميرك جلد السيد لعبده الكسول السارق، ستدرك مدى دناءة عقلك، ثم تبصر مسئولياتٍ متراكمة ومواثيقَ قد تناسيتَها تمامًا... 
سوف تصاب بصدمة ما، فتتردد قبل خوض أي تحدٍ مهما بلغت سخافته...
ربما تتحول من سهم مُندفع مُحددٌ هدفَه إلى ذهن مضطرب مرتاب...
تتقرب إلى الله وتكف عن تدليل ذاتك... توجهها بالحزم مرة، وبالحرمان والمنع مرات.
وحين توشك على تعويض ما فاتك، ستتبدَّى لك شذرات من الألم والإجهاد...
تهملها... تستأنف المسير...
وتتمنى ألا يلتهم الغم ما تبقى لك من عزم.